
الوطن ليس محطة سفر
يخرج من غرفته مرتبكا على غير عادته فهو على غير ما يرام هذا اليوم ليس كما عهدناه بطبعه الهاديء , ووجهه المبتسم . فسرعة حركاته وتنقله ما بين الغرف تدعوا للاستغراب والدهشة والسير في كل مرة باتجاه باب الدار حاملا في يده بعض الامتعة قاصدا حقيبة زرقاء بجوار الباب الخارجي.
وحتى اثناء سيره تراه يكلم نفسه ويغيرمن حركاته ونظراته . فملامح وجهه ونظراته وكثرة حركته تغيرت كثيرا وكأن هناك من ينتظره على الباب يعود الى غرفته يحمل بعض الاوراق يتمعن في بعضها ليمزق بعض الصور ويحضن بعض الصور ويقبل بعضها الاخرى .يحتفظ ببعض الاوراق يضعها بين طيات كتاب لتعليم اللغة الالمانية ودفتره الصغيرليكدس جميعها في الحقيقبة الزرقاء .
لم تمنعه نظرات اليأس والحزن لوالده العجوز و صوت نوح والدته المريضة وهي تحاول اخفاء دموعها متتقمصة وجها مبتسما بعض الاحيان . ولكن لم ثنييه كل تلك الافعال وردود الافعال من متابعة تكديس امتعته في الحقيبة الزرقاء الجديدة.
ما يدعو للتأمل وقوفه المطول في كل مرة عند اي غرض لحظات الحمل ولحظات وضعه في تلك الحقيبة .
شقيقه الصغير ورغم صغر سنه يحاول العبث بمحتويات الحقيبة واخراج الاغراض التي باتت تتكدس فيها وكأنه يعلم بسفر شقيقه الى ما وراء السراب وبأنها المرة الاولى والاخيرة التي يراه فيها , حتى بكاء الشقيق الاصغر وهو يجلس بجانب الحقيبة الزرقاء لن يؤثر على رأيه فهو مصمم لاملاء حقيبة السفر بامتعته وبقايا ذكرياته المرة والحلوة …يخيم على المنزل ستار من الحزن واصوات النواح وآثار تحطيم بعض الادوات وبقايا الزجاجات االمتناثرة . وكأن ارض الدارة اصبحت ساحة معركة , فمن شدة ارتباكه وغضبه وعدم اتزانه بات يقدم على تصرفات غير متزنة يمزق تارة ويكسر تارة ويرمي بعض الاحيان بعض امتعته وكأنه نسي جميع ذكرياته وما يربطه باركان وزوايا المنزل القديم الجديد الذي ضمه في صغره وتحمل كل حماقاته وهمجيته وقت الطفولة وطيشه في ريعان شبابه . كل التصرفات توحي بأنه سيسافر..نعم سيسافر فهو مصمم على السفر ويترك المنزل عفوا يترك الوطن وكأنه كان يقيم في فندق بشكل مؤقت او محطة قطار من محطات السفر الكثيرة وحان الوقت ليغادرها الى مكان آخر دون ان يكترث بمن حوله فراجعت مخيلتي حينها اقتبس ما يناسب هذا الموقف فأسعفتني ذاكرتي بمقدمة بن خلدون وهو يصور ما يقارب هذه الحالة من الشتات واللامبالاة وترك الانسان لحقيقته قائلاً : ((تنكشف الاقنعة ويختلط ما لا يختلط يضيع التقدير ويسوء التدبير وتختلط المعاني والكلام ويختلط الصدق بالكذب ويتحول الصديق الى عدو والعدو الى صديق ويعلو صوت الباطل ويخفق صوت الحق وتختفي وجوه مؤنسة وتشح الاحلام ويموت الامل وتزداد غربة العاقل وتضيع معالم الوجوه ويتقاذف اهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة وتسري الشائعات عن هروب كبير وتحاك الدسائس والمؤامرات ويتدبر المقتدر أمر رحيله والغني آمر ثروته ويصبح الكل في حالة تأهب وانتظار ويتحول الوضع الى مشروعات مهاجرين ويتحول الوطن الى محطة سفر والمراتع التي نعيش فيها الى حقائب والبيوت الى ذكريات وحكايات.)) .
فتأملته وهو يخرج من الدار شادا الباب بكل قوته الى الخارج ليغلقه من خلفه وليعلو صوت ضجيج الباب لحظات ارتطامه بالملبن الحديدي يوحي بصراخ مظلوم …. يتابع سيره دون الالتفات الى الوراء وكأنه لم يعد يرغب بالعودة .فاصدمت النظرات الاخيرة للوالدين بباب محكم الاغلاق من اقرب المقربين بعد ان نسي كل شيء وترك كل شيء جاءت كلمات والدته الاخيرة عند لحظات الوداع بمثابة قاموس اكاديمي . اين ذهبتم؟ هل منزلنا كان فندقا ! لماذا نسيتم كل شيء ؟….الى اين تذهبون ؟….لمن تتركون هذا المنزل ؟…. اجيبوني ؟؟؟؟ ولكن لا صوت سوى صدى صوتها .. لتتابع الام العجوز :سأبقى انتظركم مهما بعدتم و احلم بعودتكم مهما غبتم . زادني الموقف احتراما للوالدين المتمسكين بمنزلهم واحتقارا لمن تركهم مهاجرا الى السراب .
أزهر أحمد
