
أحبابنا الكرام أسعد الله نهاركم وأهلاً بكم في زاوية (حكم وأمثال)
ومثلنا لهذا اليوم هو : / وكل غريبٍ للغريبِ نسيبُ/
يقال : إن امرئ القيس ذهب في رحلة متوجها إلى قيصر
ملك الروم آملاً أن يساعده بجيش لاستعادة ملكه الضائع
فلما وفد على قيصر رحب به وقربه وصار امرؤ القيس من
ندمائه وكان لقيصر ابنة نظرت يوما إلى امرئ القيس فأعجبها
فهويته واتصل مابينها فحدث بذلك امرؤ القيس بعض أصحابه وكان بينهم واحداً اسمه الطماح بن قيس سمع ذلك
فأسرها في نفسه لتشتعل في قلبه عداوة قديمة إذ أن أبا امرئ القيس قتل والد الطماح.
فلما أرسل قيصر جيشاً مع امرئ القيس وانصرف الجيش
ذهب هذا الطماح إلى قيصر وقال له: إن امرئ القيس يواصل
ابنتك، وقد يشهر بها في شعره فيفضحها ويفضحك،
فأرسل قيصر لامرئ القيس حلة من حلله من الذهب وطلاها
بالسم من الداخل فلما لبسها اسرع السم في جسده فتقرح
وتساقط جلده حتى تساقط بعض لحمه فلما إلى أنقرة وأيقن
أن الموت آت لا محالة وقف على قبر وسأل عنه فقالوا له إنه
قبر بنت من بنات الروم فأنشد يقول:
أجارتنا إن الخطوبَ تنوبُ
وإني مقيمٌ ما أقامَ عسيبُ
أجارتنا إنا غريبانِ هاهنا
وكُلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ
نترك الملك الضليل يحتضر ونقف على معنى تضمن من
شطر البيت الثاني من معنى لا يندثر مع تغير الدهر وتقلب
الزمان((كُلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ)) فما انتساب الغريب للغريب وما صلة القرابة؟ أهو النسب الآدمي الذي يرد إليه
كل الخلائق؟ أم أن الغرباء يشتركون في الغربة فتكون بمثابة
صلة القرابة بين المغتربين .
وإن الغربة لفاضحة كاشفة إذ إنها تكشف ما يخفي في الصدور وتكشف خوالج النفس فتجد إنسان غير الذي واطنته،
وخادعة تحسب فيها العدو صديق فشعور الغربة يبث في
النفس ما يجعلها تسارع في اتخاذ الأخلاء على غير تمهل،
فتريك سراباً مخادعاً في صحراء فما إن جئته لن تجد الماء.
وعلى الرغم من ذلك فإن هناك معنى آخر لقولنا ( إن الغريب
للغريب قريبُ) ولن تخلو حياتك من موقف وجدت العون من
الغريب في وقت خذلك فيه ذوو القربى او أعرضوا عنك،
والخذلان من المقربين على يقتصر على معنى التخلي المتعارف عليه بين العامة وحسب، إنما يضاف عليه انكسار
عضد تشتد به ظهرك ودرعا تخول إلى نصل وألم في النفس
أشد مضاضة من ألم الجسد.
ولا يقتصر المراد على قريب الدم والنسب وإنما كل من قربت
ففي حياتك الأولى كل ما غير العائلة غريبا إلى أن تخالط
الأقران في نعونة أظافرك فتتخذ منهم الصديق ليصير غيرهم
من الغرباء ثم تنتقل في الحياة من مرحلة إلى أخرى ومن حال إلى حال فتقرب من الناس وتبعد، فما سوى ذي القربى
يبدأ غريبا حتى تألفه ويطمئن به قلبك فيصير قريباُ.
وفي الخلاصة فالقرابة شعور قبل أن تكون نسباً ورحماً
فالغريب قريب إذا خلا القلب من البغضاء ونزع منه الغل
فكل من تجده في محنتك حاضراً وفي خزنك مواسياً وفي
فرحك مشاركاً فهو من ذوي القربى ، وكل من أعرض عنك
وبدت لك صفحته بما يحمله من ضغن وحقد فهو غريب
وإن كان من العشيرة أوكنت تعده صديقا حميما؟!!!
ودمتم في رعاية الله وحفظه
اعداد وتقديم
حاجم موسى
